Monday, 18 June 2007

أبجديات القبول (2) ...ثقافة التفَّة و بدلة العرس !


إذا كنت حريصاً على قبول الآخر لفكرة كونك شخصاً جيداً و جديراً , فينبغي أن تضع في الحسبان أبجدياته التي ينطلق منها في تقييمه إياك , و أعرافه التي يتكئ عليها في الحكم بقبولك أو رفضك . أنت تحتاج إلى اجتياز هذا الأمر بنجاح , و لن يحدث ذلك ألا وفقاً للمقاييس التي ينظر إليك من خلالها هذا الآخر . أما إذا قررت أن تعيش مع نفسك و لأجلها فقط فأنت لست معنياً بالحديث التالي , القائل بأن معايير النفور و القَبول ما عادت بالملامح و التقاطيع . أي أنها ما عادت بخلقة الجسد , بل بقبح أو جاذبية ما يُلبس على هذا الجسد , و بما تعكسه طبيعة الاختيار لتلك الأزياء من رُقِى أو فساد في الذوق . هكذا – و بهذا المفهوم - أنصفت حضارة العصر الحديث الكثيرين منَّا على نحوٍ ما ! . و لأن قصة الإنسان ما عادت مجرد رحلة بحث عن الطعام فقد أصبحت أناقة الإطلالة من الضروريات , بل و بات الاشتغال بها نوعاً رفيعاً من أنواع الفن . فقد تكون الأناقة ترف من منظور الذي لا يملك سوى قوت يومه , أو قد تكون كذلك من زاوية الذي لن يُضار أو يُحرَج آخرون - يُمثِّلهم هو في محفلٍ ما - من عدم توافرها عنده . هذا و غيره وراد في شأن العامَّـة . أما نساء و رجالات " العمل السياسي العام " فلا خيار لهم في ذلك . لأن حسن الهندام هو واجبهم الذي لا يقل أهمية عن الحرص على أعراف و بروتوكولات المجتمع الدولي , و هو أيضاً حقنا كشعب يُمثِّلونه و يحكم الناس عليه من خلالهم . بلى , أناقة الساسة في كافة المحافل و المناسبات هي حقنا الخالص و الذي لا يتفضلون به علينا ! . فأي مسئول في هذه الدولة هو موظف لدي حكومتها التي تُمثِّل شعبها , و أي معارض لتلك الحكومة هو موظف بدوره لدى " إدارة الكيان السياسي " التي تُمِّثل المنتمين إلى ذلكم الكيان من أفراد الشعب . كل الساسة موظفون على نحو ما . و التأنق في الملبس و المسلك من واجبات هذه الوظيفة شاءوا ذلك أم أبوا . إذ لا بد أن يراعي الشخص " المارق " في سبيل العمل العام أبجديات الأناقة العالمية ليس في ملبسه فقط , بل و في جسده أيضاً . و عليه فلا يحق لأي مسئول يمثلنا طوعاً أو كرهاً أن يظهر في المحافل بشعرٍ أشعث أغبر , أو أن يرسل " تفَّتـه " إلى عنان السماء و بمنتهى الاطمئنان كمن ترجَّل لتوه عن " آلة زمن " استقلها منذ سبعينيات القرن الماضي . و إن هو عمد إلى تشذيبها فلا بد أن يحصُل ذلك بعد استشارة مصفف شعر ماهر و مُجدِّد وفقاً لمعايير الحلاقة العالمية تشذيباً و تمشيطاً و تلميعاً ! . أي و الله كل هذا ضروري و لا يظنن بي أحد الشطط ! . و من يرى بغير ما أرى فهو مُترجِّل بدوره من آلة الزمن إياها ! . ليس من حق أي مسئول أن يرتدي من الأثواب ما يشاء وفقاً لمعاييره الخاصة , اللهم إلا داخل الأبواب المغلقة التي لا تستطيع عدسات المصورين الفضولية إليها سبيلاً , أما في أثناء أدائه لوظيفته السياسية أياً كانت فليس من حقه أن يخرج علينا بمظهر العريس السوداني الشعبي ! . فإلى عهد ليس ببعيد ظل العريس النمطي عندنا يلبس البذلة مضطراً لا بطلاً في يوم زفافه . لذا فخياره محدود , فإما أن يقترض واحدة من عريس سابق , أو يشتري واحدة يراعي في مقاسها أن تناسب حجم شقيقه أو صاحبه الذي قد يتزوج بعد بضع سنوات ! . كلا , بذلة المسئول التي تخاط خصيصاً لأجله من أجود أنواع القماش لا ينبغي أن تحيد عن مقاسه قيد أنمله . و لا بد أن تكون جميلة و أنيقة و متناسقة تخطف قبول الآخر و تسرق استحسانه ما أن تقع عينه عليها . و قبل أن يشرع هو في إحراز القَبول على نحو آخر بالحديث المنمق و المنطق السياسي المقنع . ثم أن هنالك ما يسمى بتناسق الهندام الذي يجعل المسئول بمأمن عن خطر فساد الذوق في حال ميله إلى الظهور بالملابس الشعبية المحلية . فالأناقة ليست قصراً على فكرة البذلة القيافة و ربطة العنق المنمقة و الدليل على زعمي هذا أن الساسة في حكومة الجنوب و على الرغم من ميلهم إلى اللمسات المحلية هم الأكثر أناقة ! .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرأي العام - يونيو - 2007 م

Thursday, 31 May 2007

أبجديات القبول (1) ... و هؤلاء من يُصلح حالَهم يا " رورو " ؟ !


كلُّ حركة في هذا الكون إذا وُظِّفَتْ في مكانها الصحيح تُؤتي أكُلَها حتماً , و إن هي حدثَتْ بلا داعٍ تُصنّف ضرباً من العَتَه , أو أنها – في أفضل الأحوال – قد توحي بذلك . كسيدة من بلاد " القوقاز " مثلاً , إذا ما قمتُ بفتح جهاز التلفاز فرأيتُ – على شاشته - شخصا يهزُّ رجله على نحوٍ قَلِق , و هو إلى جانب هذا يتحدث مُقطِّباً , سأجزم على الفور بأنه إما مجنون أو على تخوم العته ! . عندها لن يجدي - في حكمي عليه - كونه يشرح نظرية "البروسترويكا" و عظيم تأثيرها على الاقتصاد الروسي الذي يدخل في دائرة اهتمامي كوني سيدة قوقازية ! . و عليه فـإن هَـزَّ الأرجل كحركة بشرية قد يؤتي أُكُلَه مع الخياطين فيصنعون بإيقاع الهز على الماكينات أثواباً أنيقة , و مع النسَّاجين فيخرجون علينا بمنسوجات عالية الجودة , أما في حال السَّاسة من رؤساء و وزراء و مدراء و سفراء , أولئك الذين اختاروا أن يكونوا " في الواجهة " أو على " الخط الساخن " جُلَّ أوقاتهم , فإن الهز كحركة بشرية يصبح من قبيل ما ذكرنا آنفاً ! . قال تعالى : " في ظلال على الأرائك متكئون " , أي أن الاتكاء - و قد يدخل في مضمونه الاضطجاع أو الرقاد كأفعال بشرية مريحة و ماتعة - هو مما كافأ به الله عباده المؤمنين في الجنة , و لو كان الاتكاء من الأمور العادية التي درجنا على تكرارها بمناسبة و بغيرها , و في أي محفل , و على أي وجه , لما اعتُبِر ذلك من نعيم الجنة ! . أقول هذا لأن الاضطجاع و الاتكاء أو حتى الرقاد على الكراسي مَسلكٌ يتَفنّن ساستُنا فيه بمهارة لا تخلو من طرافة ,فهم وحدهم الذين يتململون و يتقلبون فوقها في معظم المحافل و المؤتمرات, بل أن منهم من يتخذ أوضاعاً جانبية شديدة التعقيد تفوق الجلوس على الكراسي - بظهور معتدلة - صعوبةً . هذا مع التنوع في كيفية ارتماء جانب الوجه على باطن أحد الكفين . و لا يهم إن كان ذلك في قاعة الصداقة , أو الألبرت هول , أو حتى البيت الأبيض ! . و حتى يُعطَي اجتهادي هذا القدر الذي يستحقه من افتراض الأهمية و الخطورة , أقول بأن معظم المفكرين و دعاة الإصلاح قد أرجعوا الكثير من المشكلات القومية في بلادهم , و التي كان لها تأثير ظاهر على إنتاج شعوبهم و مكانتها و فرادتها الإقليمية إلى طبائع الفرد . فقد حدد "ماكس فريش" حسن النية اللامبالي الذي رمز له بـ " البنزين " كسبب تقتل الإنسانية به نفسها , كما خَلُص "ديرنمات" إلى أن الحياد الأناني - الذي يرمز له باللون الرمادي – هو مشكلة الشعب السويسري حيث أودى به إلى الجمود و العزلة . في الوقت الذي لخَّص فيه "فانس باكار" مشكلة الشعب الأمريكي في تحول أفراده إلى مستهلكين و بالتالي ضحايا لوسائل الإعلام حيث تقوم الشركات باستخدام الإذاعة و التلفاز للترويج للسلع التي رمز لها بـ " السيارات " . و عليه إذا ما حاولنا تشييء تلك المشاكل في صورة أيقونات نجعل منها رموزاً لها بحسب فلسفات هؤلاء المفكرين فـ يمكننا أن نقول بالآتي : مشكلة الإنسانية رمزها جالون بنزين , و مشكلة أمريكا رمزها سيارة , و مشكلة سويسرا رمزها بقعة لون رمادي . بينما مشكلة السودان – في تقديري – رمزها سرير ! . و ما الدول و شعوبها إلا شخصيات اعتبارية تتألف من أفراد تُشكِّل جاذبيتهم أو عدمها الملامح العامة لعوامل الجذب أو الإخفاق السياسي . و لعل هذا هو السر في كاريزما " لبنان" كدولة , أو السر في ذلك التكالب العربي المُنبَهر عليها, فما أن تتَهدّم مبانيها بفعل مسلسل الحرب الأهلية حتى يهرع الجميع إلى التبرع بميزانية قُطر لإعادة تعميرها ! . "رورو" صديقتي اللبنانية ناقشت معي - ذات ونسة - كيف أن صناعة السّاسة في لبنان - كما في معظم دول العالم - صناعة نجوم . ماذا تلبس و كيف تجلس و تأكل و تتحدث ؟ . كيف تتغلب على الحرَج ؟ . كيف تكون مقنعاً و متى تصبح مُفحِماً ؟ . كيف تَتبسَّم على نحو مدروس و كيف تتظاهر بالقلق أو الحزن إذا لزم الأمر ؟! . " ما في مجال للغَلََط ! " هكذا هتَفتْ "رورو" مع تعطيش الجيم و هي ترمُق من طرف خفي - أحد ساسة دولة السودان المنبطح على الكرسي في أثناء حوار كانت تَبثـُّه إحدى القنوات العربية ذائعة الصيت ! .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صحيفة الرأى العام - يونيو - 2007 م



Wednesday, 30 May 2007

" كشف الحال " على طريقة ديرنمات

مفتونة أنا بفكرة " ضعف البشر " , تستوقفني كثيراً و طويلاً مقدراتهم القاصرة في شئون الاحتمال و التجُّمل . تلك النصوص التي تُفنِّد القبح الكامن وراء الأقنعة المبذولة اتقاءاً لفضول الآخرين , الُمفتَرَض , و الشرير بدوره , لطالما خلبت لُبِّي . تلك المُناخات الفنِّية التي تُمَنطِق فكرة "السقوط" و تَسوق لها الحجج , كم هَزَّني – و لا يزال – جلالها ! . حين يكون " سقوط النفس " - المُبرَّر وفقاً لمقتضيات فنِّية - قرارا لا نُكوص عنه , و لا مجال لترميم عواقبه . أن تخون , أو تكذب , أن تَسرق , أو تَجبُن , أن تُؤثر نفسك على الأقربين بمرارة القانع بانعدام الخيار ! . أو أن لا تفعل , أن لا تكون , و ما قد يتحقق إن فعلت , و ما قد لا يحدث إن أنت أنِفْتَ عن أن تفعل ! . معيار الضياع , و ميزان الوصول , و كيف و لمـَه يتفاوت البشر الخطاءون في هذه الأحكام بقوانين الواقع , و كم أنهم لا يخضعون لذات " التحكيم " بفلسفة الفن الأخَّاذة الحَادِبة - العَادلة بعد كُلِّ هذا على وجهٍ ما - ! . يا لفتنة هذا الضعف الذي أغرى الكثيرين بالوقوف عنده تفنيدا , تحليلاً , و تصويرا . و من وقفات الفن التي على هذا النحو فلسفة " فريدريش ديرنمات " اللطيفة في تعرية الشَّـر المختبئ في نفوس أبطال مسرحياته , و اللائذ بالأقنعة لحين ظهور " تجسيم " الضمير الذي يُمزِّقُها , فَيُظْهِر - بالتضاد بين صورته الظاهرة و صورتِهَا التي أظهرها وجودُه ! – الشر الكامن خلفها . هكذا دوماً تتكشف حقائق الشر عند " ديرنمات " , إذ تعول فكرته تلك في نهوضها على مواجهات صارمة بين أبطاله , فتُعرِّي – بذلك - عَفَن طويَّة الإنسان أمام ذاته قبل الآخرين . يتحقق هذا المعنى عنده بطرائق متنوعة , أما الذي لا يتغير فهو إصراره على أن تجئ تلك التعرية في تلافيف حدث دراماتيكي ! . لقد ظل " ديرنمات " يمضغ هذا المعنى و يتلمَّظ بعدها , راضياً عنه , مستحسناً له , في كثير من كتاباته . و حُقَّ له . إذ يكسوه في كل مرةٍ ثوبا قشيباً . في مسرحيتة " زيارة السيدة العجوز " كان البَّقال يَرقُب أهل قريته و هم يحفرون قبره بحماس يزكيه إغراء أموال السيدة الثرية التي كانت تنشد الإنتقام منه بتحفيزهم على قتله , لكنها ما لبثتْ أن عفَتْ عنه , تاركةً إياه حيَّاً بين ظهراني من حكموا عليه بالموت , و تاركةً إياهم يعيشون مع عار فعلتهم أمام عيني من كادوا يقتلونه لأجل المال . " عندما سئل " ديرنمات " عما ترمز إليه العجوز الثرية في هذا النص , أجاب بأنها ضعف البشر أمام المال , ذلك الضعف الذي يُحيله الطمع المتفاقم إلى شر خالص " . و في مسرحيته " هبط الملاك في بابل " تَبعثُ السماء بفتاة جميلة , تكون هدية لأفقر رجل في بابل , تلك الفتاة لم تكن من نصيب أحد , إذ رفض الجميع التخلي عن أموالهم للفوز بها , فالكل يريدها و يريد المال , و قد رفضتهم هي لقصورهم عن شرطها , فتركتهم بذلك يكابدون خسارتها التي تُمثِّل حقيقة جشعهم للمال . و في مسرحيته " الشهاب " يقوم من مَوتَتِه الأديب الشهير الحائز على جائزة نوبل , و الذي أَعلنتْ الإذاعات و الصحف نبأ وفاته , فيُصاب بالهَلَع أولئك الذين في موته " كرامتُهم ", و في عودته إلى الحياة " كشف حالهم " , و أوَّلُهم الطبيب الذي أعلن وفاته ! . أما في حكاياتنا المحلية فهنالك طرفة تشبه نصه الساخر هذا على نحو مدهش ,و هي تتبنَّى ذات التوظيف الفني للفلسفة " الديرنماتية " إياها ! . كون البعث من الموت – أو على الأقل عدم تَحقُّقه – أمرٌ جَلَل من رؤية مفادها أن فيه إراقةٌ لكرامة بعضهم , و كون الموت ـ أو المضي فيه كخيار ـ هو الحل الأمثل لحفظها . إذ يُفضِّل أهل الميت الذي اتضح أنه حي - لمَّا يَمُتْ بعد - المُضي في التظاهر بموته خوفاً من "شيل الحال " , فيقبُرونه حياً لئلا يقال بأنهم لا يعرفون الموت ! .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قيـــلولة - 2007 م



Sunday, 27 May 2007

الساتيا غراها بتناص سوداني رجوع عن أم رجوع إلى


لم يولد المهاتما "غاندي" في يوم "خاص" , و لم يشهد العالم تغيرات ظاهرة أو حتى طفيفة في حالة الطقس يوم ولادته , بل أتى في هدوء و عاديَّة أنيقة كمئات العظماء الذين يأتون بلا ضجيج , و يرحلون في صمت , تاركين إرثاً جليلاً يحكي الكثير عنهم دونما كلام ! . كان يَفزع من الأشباح و الهوام , و قد ظلَّت زوجته تعاني من إشعال الإضاءة في غرفة نومهما – كل ليلة - حتى الصباح لأنه كان يخاف الظلام ! . لم يكن "غاندي" (جاموس خلاء) بأية حال , بل كان نموذجاً مناسباً و مُمَنْطِقَاً لشخصية البطل المترعة بمثالب "الأنتي هيرو" التي أحيتها واقعية الفن الحديث ! . و لأن عاديته تلك لم تكن أمراً مفروضاً بل خياراً آمن به و سعى إليه , فقد حقق من خلالها مشروعه السلمي العظيم " الساتيا غراها " الذي باركته الإنسانية الحقَّة كون آلياته تتلخص في اللجوء إلى المقاومة السلبية أو اللاعنفية كوسيلة لتحقيق الإصلاح الإجتماعي و السياسي .

تغيير المواقف و الآراء السياسية ليست أموراً من شأنها أن تُقوِّض مفهوم البطولة , كما أن تغيير الرأي في - مطلق الأحوال - لأجل الأهداف القومية ليس رجوعاً عن الصواب بل هو رجوع - عملي - إليه . متكئاً على هذه الفلسفة حقق غاندي كل إنجازاته الإصلاحية بفضل واقعيته النزيهة , و تراجعه الشجاع عن آراءه التي أثبتت الأيام عدم جدواها , فوضع بذلك حجر الزاوية لديمقراطية قوية شهد العالم و لا يزال رسوخها , بينما ظلت الديمقراطية في بنجلاديش و باكستان التي كان الانفصال خيارها - في وقته - تتَملْمَل حتى الساعة . في أثناء إقامته في جنوب إفريقيا كون غاندي فرقة إسعاف هندية بهدف مساعدة الجرحى البريطانيين في حرب البوير , و قد ظلَّت فرقته تقدم الخدمات الطوعية للبريطانيين حتى في حروبهم مع "الزولو" . ظلَّ يفعل هذا على الرغم من تعاطفه العميق مع شعب الزولو باعتبارهم أسياد أرض و أصحاب حق . هل كان غاندي "ميكافيلياً " ؟ , الإجابة على هذا السؤال بالنفي أمر تكفلت به قوة الهند السياسية و الاقتصادية المتعاظمة , كما تكفلت به أضابير التاريخ التي لا تغفل شيئاً ! . و لأن البطولات السياسية ليست مواقف جذابة أو حتى داوية بل نتائج محسوبة و مرضية للشعوب و لتاريخها في النهاية , كان الرجل يرى في بريطانيا "المعبر الوحيد" لتطوير الهند , و أن الانتعاش الاقتصادي لن يكون إلا عن طريق الحفاظ على الصداقة معها . كل هذا في ظل الثبات على مبدأ أن الهند لا يجب أن يحكمها سوى الهنود .

يمكنني أن أقول بكثير من الاطمئنان بأن العالم اليوم هو "مستعمرة أمريكية" أذا وضعنا في اعتبارنا أن "امتلاك" التأييد المطلق من ِقبَلْ الآخر , أو - على الأقل - ضمان سكوته أمر يحكمه الحرص على المصالح قبل الخوف من الضرر ! . بل ربما يمكنني أن أقول ُمتَّكئةً على ذات القدر من الاطمئنان بأن "الحل" ربما يكون في "تناص" سياسي عن "ساتيا غراها " الهند نسقطه على واقعنا المحلي الذي يشهد مفهوماً مشوشاً لفكرة البطولة و الإنجاز السياسي . إن ثقافتنا التي تتكئ في خصوصيتها على موروثاتنا العرب إفريقية قد كانت و لا تزال تُضَيِّقُ الخِنَاق على أي معني قشيب لفكرة (البطولة) , و على الرغم من إدراكنا لضرورة التجديد كونه نتيجة منطقية لمتغيرات كثيرة يفرضها تعاقب الأزمان على ثوابت البشر الخطاءين , إلا إن مفهوم البطولات السياسية "عندنا" قد كان و لا يزال يسعى و يرمِل بين قرارات عاطفية تشوبها الحماسة و يكللها إقدام ساحات الوغى , و تتماهى آمالنا بشأن مردودها مع تداعيات (وامعتصماه) , و غضبات ( مضر زنجية ) لا تأبه للأخطار المحدقة , ولا تكترث لاعتبارات الحكمة المُهادِنة . أي أن (البطل) في أذهاننا حتى اللحظة هو (جاموس الخلاء) الذي لا يبقي و لا يذر . فهل من مبشِّر بمجانبة هذا الحديث لصواب نتوسم أنه قد فات علينا ؟ ! .

قيل بأن الحقيقة لا تدركها إلا عين تنظر من ربوة الأبدية على الزمن كله , و عين التاريخ تومئ إلى خلود الإنجازات الفكرية الإصلاحية , و تومئ – غامزة بمكرٍ الحاذق – إلى أن ما عداها يذهب جُفاء ! .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صحيفة الرأى العام - 2007 م

Friday, 27 April 2007

صِنَاعةُ الحَــاكِم


في التضاريس السياسية ذات المناخات الديمقراطية , صناعة الحاكم هي مشروع حيـاة يبدأ بخِطْبة الوالدين و لا ينتهي بالموت ! . حيث تعصِف أصغر الهنَّات بأعرق التواريخ و السِّيَـرْ فَتُورِثُها جحيم الآخرين المُتربِّصين تحت مظلّة الديمقراطية الحَادِبة الرّصِينة , و " هَمْبَريب " الحُريَّات التي قد تتمدد و تتطاول حدَّ الاعتراض على " أحدهم " , لأن في تاريخه الشخصي ما لا يروق لهم " ساااكت " ! . هى إذن رحلة الأقنعة القابلة للتبدُّل بسرعة الضوء و المَرْصُوصَة بعِناية على طاولة الإحتياج الآنِي , و مشوار الصَّواب المُسالِم الذي تَصقُله يوميّة الإنتباه القَلِقْ . إذ لا مجال للتَظارُف المُطلق في مواقف التَبَسُّم المدروس , و لا سبيل إلى الارتجال في مواضع التفْنيد ! . و على قدر التصاق الشعوب بانتماءاتها الأيدلوجية و جذورها الإثنية يكون الإشتِغال على هذه الصِّناعة , و الإنشِغال بتجويدها بتقنيات مُمَاثلة لها في القوة و مُخَالفة لها في الإنتماء , دونما تَقاطعٍ أو تَفْريط . و بتََقليب البَصَر في السِّمات الظاهرة للعَيان في تكوين الشخصية السودانية - و لندَعْ الحديث عن غيرها لمقام آخر - نَخلُص إلى إشكالية
" الشأن السياسي السوداني " والتي يمكن تَقْطيرها في جملة " نحن نُغنِّي لأنفسنا " , فواقع سياساتنا الخارجية " أغنية سودانية " لا يستسيغ العرب لحنها لأنها من سُلَّم موسيقي آخر غير الذي تَعوّدوا عليه , بينما لا يستطيع الأفارِقَة ترديدها لأن كلماتها بالعربية ! . إنَّ حالة " البرزخيَّة " الجغرافية و الإِثنيَّة التي نَحيا معها و نَنْطَلق منها - كَونَنا سُكَّان أرض تتَقاطع عندها و فيها الحُدود الإِثنيَّة ,
و تَمْتَزج أو تتَجاوَر بها العَشَرات من الهويّات العرقيّة التي تَتَفاوت و تَتَداخل , و تَضيق و تَتَّسع على نحو سريالي - قد رَسَمتْ - دون شك - خطوطها العَنيدة في الملامح العامة للشخصية السودانية فأورثتها تلك الأعراف المُوغِلة في الإختلاف , و ذلك التميّز
" المتوحِّش " الذي يُمَنْطِق شخصية " السياسي " عندنا , و مشواره مع فكرة (القيادة) مُنذ الأسرة إلى الحكومة , و التي هي خَير " نُبذة " عن أزمة الهويَّة تلك . الحُكَّام عندنا ما انفَكُّوا يتفاوتون بين ساسة يتراوحون بين وَرَثة السيادة الطائفية و أبناء (البُيوتات) , و أولئك القادمين من قُماشَة العامَّة و الثائرين على فكرة الحُكم الذي يتّكئ على هَيْمَنة (الطوائف) و إرث (البيوتات) , إنَّما في البَدء و الُمنْتَهى و مع هؤلاء و أولئك تَطغَى ذات الملامح العَنِيدة للشَّخصيّة السودانية , فـ عند "عشوائية الطَّرح" , و "فوضَوية التلَقِّي" , و "ردود الأفعال ذات الزوايا الحادَّة" يلتقي الآتي من صُفوف العامّة , و الوارث للسِّيادة الطائفية , و القادم من بيوت الإرث السياسي , و إن اخْتلَفتْ المُبرِّرات و آليات التطبيق , فـ هذا بـ عنجهيَّة السيد المُنزّه , و ذاك بـ لامبالاة الوارث المُنعَّمْ , و ذاك بـ سخط القائد الثَّائر . لا يَختلفون في ذلك باختلاف مواقِعهم من الكراسي و لا يَتفاوتون فيه بتفاوت المسافة بينهم و نهاية شارع القصر . الحاكم و المناوئ على حدٍّ سواء , لأن الجذر و المُنْطَلَقْ واحد . و كما أدركنا و لا نَزال نتَعلَّم أن حاكم اليوم هو مُعارِض الأمس , و مُعَارض اليوم هو حاكم الأمس و رُبَّما الغَد الذي يَتكئ على ذات الفكرة التي ذكَرنا آنفاً ... و هكذا دواليك ... , إلى حين أظنُّه سيكون طويييلاً إن لم نَقِفْ عند هذا الأمر بنزاهة و تَجرُّد , و نَهرع بصرامة يُزامِلُهَا الإتزان إلى تجويد صِناعَة الحاكم و فَكّ و من ثَمَّ رَتْق قُماشَة المَحكوم , حتى يستقيم هذا الأمر . إن المعنَى الشَّاهق المُترفِّع لفكرة الوطنية يكمن في التّفريق الصّارم بين الدولة كأنظمة مُتعاقبة و" الوطن " كجَذر و انتماء لا ينبغي أن يتَقاطَع مفهوم الولاء له مع أى تَبعيَّة أو مُروق سياسي . إن موضوعيَّة الطَّرح و اتزان التَفَهُّم و التفريق بين مفهوم الولاء الوطني و الولاء السياسي أمور يَنبغي أن تُضمّن في المناهج الدراسية الأساسية لأن هذا الوعي إنَّما يَتكوّن في تلك المرحلة على عكس ما قد يبدو , هذا فيما يَختَص بجذريَّة الحلول لصناعة ساسة الغد , أما المُتسايسين و بعض السِّياسيين الذين ما فَتِئُوا يتَعاقبون علينا بالتَّناوب فـ لَنَا في عَداءهِم الأَزَلي للمَنْهَجيّة حُسْن العَزَاء ! .


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صحيفة الرأى العام - 2007 م

الشِّـــدة في مقام السياسة


"مرحبا بالأبطال" هكذا يُخاطِب ضباط الجوازات في مطار مانيلا المغتربين - "هُولُن" - العائدين من المنافي الطوعية التي قصدوها لتحسين الدخل و ترميم الحال , فياللعجب الزائل حتماً إذا عُرف السبب ! .
في آخر زيارة لها للسعودية كان من أولويات "غلوريا أوريو" مناقشة أوضاع العمالة الفلبينية هناك , إذ أن 8 مليون فلبيني هم مغتربون يعملون خارج أراضيهم , و يعتمد عليهم اقتصاد البلد إلى حد كبير , و لم يكن غريباً أن زيادة ملحوظة في رواتب العمالة الفلبينية بالسعودية قد كانت من نتائج تلك الزيارة . بينما نحصد نحن الشتات في الداخل قبل الخارج و دونما احترام في الحالتين . فلا دولة تُمَثِّلُنَا بـ "طرح جاد" كجاليات متكاثرة سريعة الإنقسام في بلاد الله الواسعة , و لا جهة مختصَّة منوط بها التفاوض مع انتهاكات الغير الذين يُتقنون استرجاع ما نَحصُده منهم جَـرَّاء الغربة و القولون والأمراض المزمنة , بلا حقوق مكفولة باتفاقيات دولية , ثنائية , منظَّمة , ظاهرة لعيان مرتادي المنافي , القابعين في بلاد الآخرين بعشوائية موازية لعشوائية الدولة في علاقتها بـ المغترب , و اقتصارها في التعاطي مع الأمر على الأخذ دونما رد مُنْصِف من أى نوع . كيف لا تَنْهشُنا الغَيْـرة من مغتربي الفلبين و قد قالت مديرة منقوشة اليدين بحناء حالكة في ضرائب المغتربين لطبيب محترم لكنه من مغتربي المنافي : " أنت مُسْتَهِبل " ! .
نعود إلى الفلبين " الهديّة " , "الرضيّة " فـ إلى جانب عائدات العمالة المُهاجرة تُعتبر إجادة اللغة الإنجليزية استثماراً هائل المردود حيث تتخذ معظم الشركات العالمية من الفلبين مقراً لموظفيها المنوط بهم الرد على استفسارات العملاء , ذلك أن أجور العمالة المحلية عندهم زهيدة إذا ما قورنت بالأجور المعتادة في مساقط رؤوس تلك الشركات , و قد بلغت عائدات الفلبين السنوية من هذا النوع من الاستثمار – في دراسة حديثة – أكثر من 3,5 مليار دولار أمريكي ! .
أيضاً في البرازيل تعد ضرائب دخل لاعبي كرة القدم تِرْساً فاعلاً و مؤثِّراً في عجلة الإقتصاد البرازيلي . و في سنة 2005 كانت عائدات الأردن من السياحة الطبية لمواطني دولة السودان لوحدها 400 مليون دولار أمريكي ! .
هذا ما أُسَمِّية بـ الحداثة الإقتصادية التي تراجعت معها و بفضلها النظرة التقليدية لفكرة الإستثمار , كما تراجعت ريادة الشعر العمودى بفعل التفعيلة و قصيدة النثر ! . أو لعل هذا ما يُسَمُّونه بـ " الشدة " بالمعنى المحلي للكلمة . فـ " شديد " عندنا مفردة مَحلِّية تطلق على الشخص الحريص على مصلحته العارف ببواطن جَلْبِهَـا , و هى بهذا المفهوم المَحلِّي سمة غالبة على حِيَـل الإستثمار العالمي , إلا أن إيغالنا الغير مبرر في التشبث بالعربية الفصحى , حتى في مدلول المفردات المحلية , قد جعل معاملاتنا الإقتصادية تتماهى مع مثيلتها السياسية في استخدامنا " الفصيح " للكلمة , فالشدَّة في المعاملة عندنا لا تزال هى " الغلظة " , أى كما هي بمعناها الفصيح و الأزلي .
لندع تَرَف الخلق و الابداع في مجال الاستثمار بكل قماشاته الجيِّدة - بعيداً عن البترول الذي لم تبلغ عائداته نصف دخل عائدات الفلبين من تطوير اللغة الإنجليزية ! - و لندع مساربه "السااااهلة" سهولة نفاذ الضوء من عقب الباب إذا كان يَسكُن هذا البلد شعب آخر , و لنُرجع البَصَر في مدى تأثير الشخصية النَمطيّة السودانية على سير الأمور في هذا البلد " الغني" بالموارد الفقير إلى الناس "الشُّداد" , سنجد أن الحكاية بتبسيط هادف غير مُخِل هى حكاية الثالوث الذي تحدثنا عنه آنفاً في المقال الأول , و المتمثل في "عشوائية الطرح" و "فوضوية التلقي" و "ردود الأفعال ذات الزوايا الحادة" . و إلا فهل من مُخبرٍ عن " الخواجة " الأسباني الذي عَـرَضَ ضَخ 110 مليون "يورو" بالتمام و الكمال في تحويل حديقة " الدندر " إلى مشروع سياحي عالمي مُنْـذ مُـدَّة طويييلة بعمر الانتهازية الإقتصادية قبل طولها باعتبارات الزمن ؟! . ياترى أين هو الآن ؟! , و ماذا فعل الله به ؟! , إن كان الرجل قد شَـرَعَ و لم نسمع به في وسائل الإعلام فتلك إحدى تداعيات انعدام "الشدّة" بمعناها المَحَلِّي , و إن لم يكن قد عاد حتى الآن , فالأمر (قَـدْ) لا تخرج أسبابه عن "عشوائية" إجـراء , أو "فوضوية" مُبادرة , أو "حِدَّة" زاوية قائمة لردَّة فعل من مسئول تنقصها "الشدَّة" – بالمُفردة "هُولنَا
" - ! .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صحيفة الرأى العام - 2007 م

Friday, 16 March 2007

زَامْ صَـدْرو فيهو كَلامْ !!



المُثقَّف عند " تشومسكي " هو من حَمَلَ الحقيقة في وجه القوة , و هو كما أرسَى " اميل زولا " : من يجتهد في إماطة اللِّثام عن أعتى الحقائق , و تَصِل شجاعتُه - في تحقيق ذلك - إلى أبعد مدى مُمكن , أى أن المثقف بعبارة أكثر محليَّةً و جمالاً هو: ( المَـابِقُودو زِمَـام , جَاموس الخَلا , الـ للرّجال كَـزَّام ) !! . مُعوِّلين على هذا , و على غيره أيضاً , تابعْنا مع آلاف من قراء الأسافير - سُجِّلتْ مشاهداتهم في أقل تقدير حتى لحظة كتابة هذا المقال بما يربو على الأربعة آلاف و خمسمائة مشاهَدة - جَدلاً مستفيضاً بين الروائي الحسن بكري الذي حَصَلت روايته (أحوال المحارب القديم ) على جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي في دورتها الأولى , و الروائي المُخْتَلف محسن خالد . و قد قرأ الكثير من المتابعين للحِراك الثقافي عن هذا في تقريرٍ كان أحد صحفيي جريدة الأضواء قد قام بالتَّنويه إلى نشره بالملحق الثقافي لها . من جهتنا كنا نقرأ و نناقش كل مداخلةٍ لأيٍّ منهما , و قد ظللنا نسعى مع آلاف آخرين بين منبر ( سودانيز أون لاين ) حيث يكتب محسن خالد و منبر (سودان فور أول) حيث يكتب الحسن بكري . "الماستر سين" في كل هذا هو أن الاستاذ الحسن بكري قد اتَّهَمَ مُحسناً بالسرقة , حيث قال بأن قصة محسن خالد "كلب السجان" هى تلخيص بائس لقصة جوزيف كونراد " قلب الظلام" ! , و قد طالَبَه محسن خالد - مع أيمانٍ مغلَّظةٍ نفى بها ذلك - باثبات زعمه هذا بدراسة . كنا نقرأ و نقرأ , و ندَّخر الحكم و التعليق إلى حين تَفنيد الروائي الحسن بكري لزعمِه بتلك الدراسة , لكنه رفض متعللاً بأنه لن يفعل ذلك "مهنضباً" من قبل محسن خالد . أى أنه قد ألقى بقنبلة اتهامه تلك , ثم أحجم عن سَـوْق الأدله مُتعلّلاً بالهنْضَبة !! .

الذي أقلقني هو موقف مُثقّفي جيل الرواد من كل هذا , و الذين يبدو أنهم على كثرتِهم يُعوِّلون كثيراً على جدوى دور الأيقونات الإلكترونية في مواقفهم الإسفيرية !! , فقد ركز (بعضهم) على شجب ألفاظ محسن الخارجة و التي لا تليق بحَرَم المنابر , دون أن يَتجشّم عناء ابداء كلمة حق , في أمر دماء النص التي سُفِكَت على مذبح العناد و الشَّخْصَنة , و دون أن يقوم بزيارة مماثلة للأستاذ الحسن بكري في عُقْر منبره , شاجباً اتهامه لكاتبٍ شاب يجدّ السير في دروب الخلق و الإبداع بسرقة إبداعه دونما دليل ! . هل هذا كثير ؟! , أم أنه ما من أمرٍ يستحق العناء ؟!
هل تَبنُّوا مواقف الايقونات الألكترونية تلك لآراءٍ سلبيةٍ يضمرونها , فيما يختص بجُرأة كتابات محسن خالد , الذي يعتبره بعض المبادرين بإطلاق الأحكام و الألقاب محمد شكري جديد ؟! , أم أن صَمتهم عن هذا قد كان لصداقة تربطهم بالحسن بكري , و هم يخشون عليها من التفسُّخ بفعل ألسنة النقد ؟! . هل هى اللامبالاة التي ظللنا نقابل بها خطورة دور تلك المنابر في الحراك الثقافي و السياسي ؟! , و عليه فلا ضير لأن حوارات إسفيرية كتلك لن تُدوّن في الأضابير ؟! . كان هذا ما أقلقني , أما الذي أحبطني فهو رد الأستاذ الحسن بكري , عندما أخبرتُه بالحقيقة العارية من المجاملة , بأن ذكَّرته - باتكاءة لطيفة على أبجديّةٍ منطقيّة - بحق الكاتب عليه في تفنيد اتهامه له بالسرقة , و بأن من حق القارئ عليه أن يعرف كيف و لماذا و على أى وجهٍ يراه سارقا ؟! , و أن ما قاله لم يكن في رسالة خاصة بينه و محسن حتى يتعلل بالهنضبة و ينتهي الأمر , بل هو اتهام علنى منشور و موثق . لكن ردّه جاء متعجرفا , يغلفه الغضب و تنقصه الموضوعية , و لا يليق بمثله , كان مزيجاً مدهشاً من خلط الأمور و تمييع للحقائق , أيضاً لم ينسَ اتهامي بعدم الإنصاف و الوقوف في صف محسن خالد الذي لا أعرفه إلا من خلال نصوصه , و الذي لم أبادله التحية يوماً . كما قال الأستاذ الحسن بكري بأنه لن يُضيّع عُمره في كتابة دراسات , فالبيت دافئ و الشمس رائعة في الخارج
, و كأننا لم نكن ننعُم ببيوتً دافئة و شموسٍ رائعة عندما تركنا كل شئ خلفنا , و اقتطعنا من أزماننا أوقاتاً لقراءة ما كان يكتب !!

الذي يستوجب الإحباط في كل هذا كثير , لكن من باب ترتيب أولويات العزاء , ما الذي يستوجب الحزن في المقام الأول ؟!
هل هو الحق الذي بات "يُحَنِّنُي " لأنه أضحى مسجوناً في قمقم الجهوية و العلاقات الشخصية ؟! , هل هى العشوائية و اللامبالاة التي تغلف مواقفنا عندما نكون بمنأى عن الضرر ؟! , هل هو دفء البيت و روعة الشمس اللذين ضيعت استمتاعي بهما و أنا أظن نفسي أفعل شيئاً ؟! . لست أدري !! , كل ما أدريه : أن الكاتب بمواقفه - أيَّاً كانت - يصنع تاريخه الخاص الذي يصب في نهر الزمن , و التاريخ لا يغفل شيئاً .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قيـلولة - أوراق جديدة - 2007م

Wednesday, 14 February 2007

الرجـــل الآخـــر !!


المُثقَّف السوداني ( مسكين ) إذ يقف في أحيانٍ كثيرةٍ مُشتتاً , ضائعاً بين مرجعيَّاتِه الثَّقافية و العِلميَّة و مَوروثاتِه التقليديَّة , تماماً كمن يؤدِّي دَور شخصيتين مُتناقضتين في مسرحيةٍ واحدة ! . فهو يقضي جٌلَّ وقته راكضاً بين خشبة المسرَح وغرفة الملابس ! , يُزيل مكياجاً و يضَعُ آخر , يخلعُ عباءة القيصر ليرتدي لِباسَ بروتُس و هكذا ... !! , حائراً بين ما يؤمن به و يُردِّدُه طوال الوقت و ما ترعْرعَ وشَبَّ عليه من أعرافٍ و أفكارٍ كثيراً ما تَقْفزُ إلى السَّطح عند أول اختبار حقيقي لأولويَّاته و مسلَّماتِه كرجل ! .
لذا فهو في الحقيقة شخصيَّةٌ بالغةُ التعقيد , وغالبا ما تُجانِبُهُ النَّزاهة مع ذاتِه قبل أُنْثَاه في تعريفه لمفهوم الأُنثَى الحُلُمْ !!
فاختيار الشريكة المُلائمة التى تَملأ روحَه و قلبَه و تَسرُّ عينَه بينما تُقنِعُ و تُرضِي عَقلَه أمرٌ جَلَل يتطلَّب موازنةً مُرهِقةً بين موروثاتِه وتقاليدِه تلك و ثقافتِه الحديثةِ و أفكارِه العصريَّة المنفلتَة !!
وفكرةُ الأنثى المثاليَّة في ذهنِه غالباً ما تتَمحور حول الإذعَان صراحةً أو ضمناً !! , بمعنى أن الجانب التقليدي في فكرِهِ يبلورُ هذا المعنى و يُسقطُه على الكثير من الصفات كالرِّقة و الحنان و الحَدْبِ , كل هذه الأمورتَجذُبه لأنها في ذهنه تُمثِّل صوراً مختلفةً لحقيقةٍ واحدةٍ هي إذعانُ الأنثى !!

أما الزواج فهو مِحْنَةُ المثقَّف السوداني الكبرى , هوامتحانُه التَّعجيزي , ففي سنة الزواج الأولى التى تُمثِّل باكورَةَ عهد المُكاشَفة , أى عهد سقوط أقنعةِ التَّجَمُّل حين يتحول الهمس إلى شَخير , و الإيماءاتِ المنمَّقة إلى إشاراتٍ عصبيةٍ , و الكلمات المنتقاة بعنايةٍ الى عبارات خرقاء , و الافكار الرومانسيَّة الخلاقة إلى آلية في نمط الحياة , أى عندما تبدأ بثور الاحتكاك بالظهور على قطيفة الرومانسية الناعمة , حينها لا تُصبح هنالك ضرورة للتفهُّم المُصطَنع أو الإدعاءات اللَّطيفة لاحتواء جموح الأنثى المُثقَّفة ... إلخ . عندها تبدأ رحلة الحيرة , فيركض المثقف المسكين إلى غرفة الملابس ليخلع عباءة القيصر و يرتدي ملابس بروتُس , فخلف القميص ( القيافة ) و ربطة العنق المنمَّقة و الحذاء الأنيق يقبَع رجلٌ آخر يتكرر ظهوره في المراحل المفصليَّة للعلاقة , و هو رجل تقليدي شديد التعنت كثير الإنتصار لرأيه , يرى في رومانسية أُنثَاه عدم واقعيَّة تثير غيظَه , و في حساسيتها المفرطة و رقَّتها تَصيُّداً وقِحَاً لاخطاءِه , و في آراءها الجامحة و الجريئة حول القضايا الإجتماعية الخلافية سباحة عكس تيَّار الأنوثة .
مشكلة الرجل المثقف عندنا أنه يعشق الأنثى الواعية المفكرة و يظل يحلم بها , و ما أن يجدها و يتعلق بها حتى يتعامل مع فكرها و ثقافتها بسياسة التعايش في مرحلة ما قبل التملُّك ! , و يبقى في صراع دائم مع ذاته , فيظل يردع فِكْرَهُ الذى يستهجن فِكْرَهَا , و يظل يَنْتَهِرُ الآخر الذي يختبئ في ثناياه مُتربِّصَاً إلى حين امتلاكها !! . أما النتيجة فأنه و بعد أن يستهلك شجرة ليمون عملاقة ليتغلب على غثيانه الرجولي إزاء جموحها العصري , و حتى يتمكن من ازدراد و من ثم هضم كل ما لا يروقه كرجل تقليدي من أفكار خطيرة تدور في رأسها الجميل , و بعد أن تصبح ملكه وحده يتحول - و هو معذور في هذا لأن الإنفجار هو النتيجة المنطقية للضغط المتواصل ! - إلى شخص قليل الصبر أمام استقلاليتها , عديم الاحتمال لجموحها الفكري , يضيق ذرعا بكل ما كان يدَّعى التعايش معه سابقا , أما الأدهى من ذلك فهو تأرجُحه المدهش بين محاولة السيطرة عليها من جهة و اختناقه من فكرة كونه فلَكَهَا الذي باتت تدور حوله من جهات أخرى !! .
في ساعات الشجار الزوجى الذي لا مفر منه يختفي القميص العصري و ربطة العنق المنمقة ليظهر الرجل الآخر متماهياً (بالعَرَّاقي) مُتَبجِّحَاً بموروثاتِه التقليدية التى كان يُكثرُ من شَجْبِها و التَّنديد بها في العهد القديم , ُملوِّحاً بين الفينة و الفينة بعصى قوامته التى َيهُشُّ بها على تَمرُّدِها و له فيها مآرب أُخرى !! . و هو إلى جانب هذا و على عكس نُظَرائِه من المثقفين في الأصقاع الأخرى رجل متطلِّب , كثير الشكوى فيما يختص بالجوانب التقليدية في الأنثى , فلا هو يريدها مثقفة مفكرة مستنيرة فقط , و لا هو يريدها أنثى تقليدية و كفى , بل يريدها أن تتشكل و تتلون وفق أحواله المزاجية , فتارةً مثقفة مفكرة , و تارة دمية جميلة فارغة ! , فما الحل إذاً ؟! .
العبء كلُّه - من وجهة نظره - يقع على أنثاه , فهي التى يتوجَّب عليها أن تجد الحل السحري لهكذا مُعضلة , بأن تتلون كأطياف قوس قزح و تتقلب كمناخ صحراوى متطرف , فَتَبُزَّ أُمَّهُ التي أنجبته في فنون الطبخ بدءاً بملاح الرُّوب و العصيدة و انتهاءاً بالمطبخ الصيني ! , بينما تتفوق على نجمات السينما أناقةً و رشاقةً و فتنة . تفعل كل هذا و هي تقرأ و تُحلِّل و تُناقش و تستنبط و تكتب و تؤرخ !! , ثم تعود لتَبُزَّ أولى حبيباته إلهاماً لقلَمِه و تحفيزاً لخفقات قلبه !! . عليها أن تكون كل نساء الأرض , و الويل كل الويل إن هى قصَّرَتْ ! . بقى الأهم و هو أن تعرف متى تكون هذه , و متى لا تكون تلك , أعَانَها الله و إيَّاه !! .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قيـلولة - مجلة أوراق جديدة
فبراير - 2007


Thursday, 11 January 2007

الحائــط الرابــع ليـس شرطــاً !!

قبل بضعة عشر عاماً كانت الأوساط الثقافية في منطقة الخليج تمور بالمعارك الفكرية و الأدبية بين المؤيدين و المعارضين لثورة الحداثة. في تلك الفترة قرأت مقالا لأحد النقاد بعنوان " ثلاث خطوات في حضرة البياتي " يتحدث فيه عن تأثره بالبياتي وافتتانه العظيم بشعره وشخصه , و أذكر أنه قد قال فيه كلاماً على غرار .. " يأخذك حديثه , يرسم لك مدنا من ثلج أسود و زمن تركض شمسه مذعورة في الشوارع " !! . لربما كانت تلك لوحةً شعريةً حداثية , أو رؤية نقدية سريالية , لا أدري , كل ما أدريه و أذكره جيداً هو أن مسألة الثلج الأسود قد أدهشتني قليلاً , بينما تفرغتُ تماماً للضحك على حكاية الشمس المذعورة تلك !! . نزاهة السرد تقتضي الإعتراف بأنني قد أعطيت الفكرة حقها من التأمل , فرأيت بخيالي شمسه تلك في ثوب أرجواني ملتهب الحواف , بأنامل لها أظافر طويلة مصبوغة بلون قرمزي , و على وجهها المشرق - بطبيعة الحال - و الساخن جداً .. جداً .. معالم الهلع و الفزع الشديدين , أذكر أيضا أنني وقتها لم أستطع مقاومة التفكير بشكل الحذاء الذي كانت تنتعله شمس البياتي أثناء ركضها الهستيري في تلك الشوارع !! , و لست أدري لماذا تخيلته حذاءاً ضيقاً و بكعبٍ عالٍ , ربما لتكتمل لوحة الذعر تلك بمعاناة الركض بحذاء غير مريح !! . لا بد أن أذكر أنني في وقت قراءتي للمقال - المذكور آنفاً - كنت لا أزال أتارجح بحكم المرحلة العمرية بين الإصرار على عدم التنازل عن عالم المغامرين الخمسة و رجل المستحيل و متابعة جديد شمسة و دانة , و روايات زهور , و بين عوالم نجيب محفوظ و عبد القدوس و السباعي و تشيكوف و فلوبير و هوجو و روسو . لكن على الرغم من برزخية وضعي الثقافي في تلك الفترة فقد تجاوزتْ ردة فعلي إزاء قصة الثلج الأسود و الشمس المذعورة مجرد الضحك إلى محاولة البحث عن كلام آخر لكاتب المقال , فوجدت له كتابا يتحدث فيه عن مفهوم القصيدة الحداثية التى يرى هو أنها لا تنتهي عند انتهاء الشاعر من كتابتها , وإنما تظل تـنمو في نفس كل قارئ من قرائها، حتى يوشك أن يصبح لها من المعاني بعدد ما لها من القراء !!. مممم .... هكذا ! .
كما أذكر أنني قد ظللت أتدرج في القراءة عن هذا إلى أن قادني ذلك إلى ثابت و متحول أدونيس الشهير الذي يقول فيه بان الحداثة ماهى إلا صراع بين نظام قائم على السلفية و رغبة عاملة لتغيير هذا النظام !! . هكذا إذاً ! . ! .
الحقيقة أنه على الرغم من تجاوزى لمرحلة البرزخ تلك إلى مراحل أكثر عمقاً و حياديةً , و بعد مرور كل هذه السنوات إلا أن الكثير من نصوص الشعر الحديثة لا تزال تدهشني كثيراً بغموضها , و على رأس تلك النصوص أشعار أدونيس - أقولها بشجاعة - ! , فاشتراط الغموض و الإصرار عليه في النص الشعري هى مسالة لا تقل غرابةً و إضحاكاً عن قصة الشمس المذعورة تلك !! . إن تعمد الغموض لا يمكن أن يعد إنجازاٍ ثقافيا بأى حال و لعل محاولة التقليل من فكرة الغموض كحاجز هى من أهم إنجازات مسرح العبث نفسه , حيث عمل رواده على هدم ما يسمى بالحائط الرابع , الذي هو في حقيقته جدار وهمي يفصل بين الممثل و الجمهور فكانت أشهر مسرحيات العبث بلا ستارة , و كان الممثلون يتفاعلون مع الجمهور في محاولة لهدم لذلك الحائط . أى أن تذليل الغموض و إزالة الحواجز قد كان من أبرز ملامح تطور المسرح , في الوقت الذي أصبح فيه الغموض شرطا عبقريا من شروط النص الشعري الحديث ! , فبعض الشعراء لا يتفتق إبداعهم إلا من خلف حائط رابع مماثل !! , و الدليل أن الكثيرين يؤمنون بان النص الذي يفهم ليس بشعر!! .

إن لذة تفكيك النص الشعري و محاولة سبر أغواره وإسقاط معانيه على صور من الواقع هو جزء من الدور التاريخي للمتذوق , و جزء من استمتاعه به أيضا , أما أن يتحول تذوق النص إلى معاناة قد لا يكون الفهم - الذي هو أبسط حقوق المتلقي - نتيجة مباشرة لها , فهذا أمر من شانه أن يشوه معنى الشعر ومفهوم التلقى ! .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قيــــلولة - أوراق جديدة - 2007 م

Monday, 13 November 2006

إشكاليـَّـات عصريــَّة في شــأن السـَّـواد المُقبــِل !

النُّباح عادَة أزليَّة من عاداتِ الكلاب !! , لم ينجح مَخلوق أو فَتْح عِلْمي بِعيْنِه في تغييرها , غير أنَّ حسَّان بن ثابِت يزعُم أنَّ آل شَماس قد فعلوا !! , إذ يقول واصفاً إياهم بألذّ حُجَّة و أذكى ُمبرِّرْ سِيِقَ بغرضِ المَدْح في الشِّعر العَربي :
يُغْشَونَ حتَّى ما تّهــِرُّ كِلابُهُم لا يَسألونَ عَن السَّوادِ المُقْبـِلِ !!
إذاً فكرَم هؤلاء القوم – لعَظَمتِه و نُدْرَتِه - قد جَعلَ كلابهم تُعيد النَّظر في أمرِ النُّباح باعتباره نِشاطاً مُرهِقاً تُجانبُـه أبجديَّات الحكمَة و المنطق , لأنها إن تمسَّكت بحقِّها في إظهار السَّائـِد و المُتنحِّي من صفاتها الوراثيّـَة ستظل في حالة نُباح دائم إلى ما شاء الله !! , فضيوف آل شماس لا تُوقفُهم شمسٌ حارقةٌ و لا تُثنيهم عتْمةُ ليل , مما أقنعَها بأن تُفضِّل السُّكوت على النُّباح في معيَّـة هؤلاء الأغراب الذين لا يكفُّون عن التَدَفُّق و التَجدُّد كمياه النهر !! . بل أنَّها قد ذهبتْ إلى أبعد من هذا و آثرتْ أن تزهَد حتَّى في الهَرْ الذي هو أضعف إيمانِها - كونه أقل بدرجات من النُّباح و أعلى بدرجة من الصَّمت - !! . إلى جانب ذلك فهم أيضا - أي آل شماس - لا يتَجشَّمون عَناء السؤال عن ماهيَّة أو هويَّة ذلك السَّواد باعتباره سيكون في الغالب عدد آخر من الضيوف الذين يَلُوحُون من على البعد على هيئة سواد متحرك يُعانق امتداد الأفق لكَثرتِهِم . لماذا لا يسألون ؟! لأن عندهم من المأكل و المشرب و المُتَّكأ ما يكفي تلك الجَحَافل و أضعافها و يزيد , فهم أسياد قوم و أثرياء بالضرورة !! . أما ذلك السَّواد - أو تلك الجحافل - فهي تتوجه صوب ديار آل شماس بحماس و ثقة لأن هذه الضيافة و تلكم الحفاوة هي أمر مألوف و محسوم لا يتطلَّب استئذاناً أو تنسيقاً مسبقاً , يكفي أن يلوح سوادُهم في الأفق حتى يصبح هؤلاء القوم على أهبة الإستعداد بكافة الخدمات و بمُنتَهى الحفاوة . لأجل هذا كان ذلك ( العَشَمْ ) الكبير و المتجدِّد في رحب و سعة كرم بني شماس له ما يبرِّرُه و يُمَنطـِقُ قُوَّتَــه !! .
و على الرَّغم من أنَّ قَفَزاتٍ حضاريَّةٍ كثيرةٍ قد تتابعت , و أعقبت تلك الأزمان و غيرت ما غيرت , و أبقت على ما أبقت من تلك الأعراف المثالية , إلا أن حكاية الضيف و المضيف قد ظلَّت تاريخية و ممتدة عبر الزمن , لكن آلية التعاطي معها هي مُبرِّر هذا الحديث !! , لأن الكثير من أعرافنا المُلزمة و تقاليدنا العَريقة قد خَفَتَ بريقُها , و تراجعت سَطوتُها أمام التزامات الحياة العصريَّة المعقَّدة , و اللُّهاث المحموم وراء لقمة العيش الذي يلازمه إحباط من قلَّة الدخل و قلَّة الحيلة . عادات كثيرة تغيرت فأصبح المرء لا يحسن إلا إلى من يعرف , و أصبح الإحسان إلى من لا تعرف صفة مرتبطة بشيخ أو ( مسيد ) أو ولى من أولياء الله الصالحين , بالطبع هنالك بعض من يفعل , لكن هؤلاء يوصفون بأنهم أهل الخير و الإحسان و يشار إليهم على أنهم صفوة , لأنهم يحرصون على مسلَّمات دينية و اجتماعية يفترض أن يحرص عليها معظم الناس على الأقل من وقت لآخر , كشهر الصوم الذي يفترض أن تكون الأبواب فيه - مواربة إن لم تكن - مفتوحة على مصراعيها في انتظار ضيف قد يأتي متعشماً في حفاوة تزكيها أجواء الشهر الكريم بلا سابق اتصال أو تنسيق , و لا أقول سواداً !! , فاليوم لا سواد مُقبِل أو مُدبِر إلا في المناسبات ذات الزوايا الحادَّة , - أي الأفراح الكبيرة أو الأحزان العظيمة - و كل من تُسَوِّلْ له نفسُه أن يفعل غير ذلك بلا تنسيق مُسبق متكئاً على ( العَشَمْ ) في حفاوة مُفتَرضَةٍ فهو من كَوكبٍ آخَر , أو من زِمنٍ آخَر , أو من أهل العَوَضْ !! .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قيــلولة - أوراق جديدة - 2006

أحفـــاد الجرجون !

في إطار سردي يغلب عليه طابع المونولوج و يميل الى لغة المسرح .. مستخدمة كلتا يديها في عد الساعات و تعداد الخسائر روت لى صديقتي المعهودة قصتها السنوية المعتادة عن العطلة المهدرة و الأوقات (المسفوحة) – في هذا البلد - على مذبح ( المهلة ) و .. و ..
متسائلة بسخط درامي عن الزمن الذي سيصبح فيه سكان هذا البلد كباقي خلق الله الذين يقاسمونهم ذات الكوكب !!
بدوري أجبتها إجابتي السنوية المعهودة ..
( لن نصبح ابدا ً كباقي خلق الله الذين يقاسموننا ذات الكوكب لأننا نختلف عنهم في كوننا - ببساطة - من (سلالة الجرجون) .. بل نحن اجيال مطورة من تلك السلالة نجحت بفضل (التعبقر) و (التذاكي) في( تحريف ) كفاءة (اللعنة ) الشهيرة إياها .. لذا عوضاً عن تحويل الاشياء من حولنا الى حجر كما تقتضي الاسطورة ظللنا نتفنن في (تشيئ ) الزمن حتى حولناه الى صخرة عملاقة تجثم على أحلامنا في التمثل بباقي خلق الله ) !!
و لأننا قد نجحنا بكفاءة في تحجير الزمن فنحن قوم لا ( نهرع ) ابدا !! حتى ان هذا المعنى لا وجود له في قاموس تعاملنا و تحركاتنا اليومية ..
ففي السودان لا أحد ( يهرع ) .. الكل يمشى ببطء و على مهل و يتحرك بتثاقل و يومئ بتكاسل و يتثاءب بضجر و يضحك بخمول و كأن الدنيا بأسرها قد قطعت على نفسها عهداَ صارماً و مقدساً بتذليل أمورنا و تيسير شؤوننا بالإنابة عنا بينما نتفرغ نحن (أحفاد الجرجون) للتفنن في تحجير الساعات و تحويلها الى صخور جيرانيتية !!
و لعل من أشهر ادوات التحجير تلك و أكثرها تداولاً تلك المصطلحات المطاطية التى نستخدمها ليس في تسمية الاوقات فقط بل و في ضرب الواعيد ايضا ... في هذا البلد لا زال اليوم ينقسم فيما يتعلق بضرب المواعيد الى ( صباحية ) و ( ضحى ) و ( عصرية ) و ( مغربية ) و فترة ما بعد ( العشاء ) او ( العشاء ) لا فرق لان المصطلح في الأساس مطاط و حمال اوجه !!

و في هذا البلد لا يزال داء المهلة متفشيا حتى يكاد يفتك ببقية الامل الباقية في ان نصبح كبقية خلق الله الذين يشاطروننا ظهر البسيطة .. هناااك .. حيث لم يعد الجانب الخشن من المجتمع هو فقط من عليه ان يهرع و يهرول ولم تعد الانثى العصرية هي ذاتها التى (تمشى الهوينا كما يمشى الوجي الوحل ) و التى تغنى الشعراء بمشيتها الماهلة طويلا لا زال الناس هنا في شوارعنا يمشون كانهم يمشون بلاهدى ليس كان لكل منهم وجهة او مقصد يجب ان يبلغة في ساعة محددة لا يزال هذا يحدث بينما حتى الانثى يتوجب عليها ان تهرع بل و تهرول ان اقتضى الامر لانها لو استمرئت التصديق بانها (جنى الوزين) الذي (يمشى بمهلة ) ستظل هكذا الى ما شاء الله ..
الأمر الباعث على الدهشة و الاستياء في آن انه ما ان يجلس احدهم خلف عجلة القيادة حتى يتحول الشخص الذي يضرب المواعيد مستخدما ذات المصطلحات المطاطية كالضحى و العصرية والمغربية الى شخص يحسب اجزاء الثانية عند كل منعطف و يستكثر الصبر لثواني معدودة أمام الاشارة الحمراء !!
لست ادري هل هي ازدواجية معايير أم أننا في الواقع مدركون لماهية افعالنا لكننا نستمرئ المكابرة بالقاء اللوم على الآخر (جحيمنا المعتاد ) تماماً كما تفعل صديقتي التى تسير ببطء و تتحدث ببطء و تثرثر مطولا و بروقان بال قبل و أثناء و بعد اى نوع من انواع التعامل اليومي ابتداء من بائع الخضار و اللحم مرورا بموظفة البنك و انتهاء بعامل محطة الوقود ان امكن !!
لكنها تصر على المكابرة بالقاء اللوم على الآخرين في ممارسة نموذجية لجحيم سارتر .. صديقتي المعهودة تلك نظرت الى ساعتها التى كانت تشير الى الرابعة عصرا بمهلة و تثاءبت بحبور قبل ان تقول بابتسامة رائقة نتونس لينا ساعة كده وبعدين نمر ناس البكا العصرية كده !!
( عندما سئل البرتو مورافيا عن اجمل ساعات العمر قال بانها الساعات التى لا يشعر فيها بالزمن ) !! هل يعني ذلك بأننا في هذا البلد نعيش في سعادة أزلية على طريقة مورافيا ؟!!


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أوراق جديدة - قيـلولة - 2006
سبتمبر - 2006 - صحيفة آخر لحظة

ثقافـــة أسيــاد الحــرب !

لا شك أن المتأمل في مناخاتنا السياسية قد لاحظ - دونما جهد يذكر - كيف تمخض أكثر من (سيل) عن جدب تحرسه بركة آسنه في الوقت الذي برهنت فيه سحائب الصيف – في غير مرة – على أنها قد تهطل غيثاً يروى الأشجار التي تبقى في كل الفصول !!
لكن يبدو أننا نفضل التعاطي مع الواقع بثقافة الحزبية و الطائفية التى تقدم الولاء للجماعة و التأليه للمتبوع على الولاء للأرض و الوطن !!
ربما لأننا قد أدمنَُا التفرج على لعبة الكراسي الأزلية تلك التى يتناوب فيها أسياد الحرب تقلد المقاعد الدافئة حتى بتنا لا نرضى بالسكون إلا إذا أنذرنا بعاصفة أخرى !!
و لأننا مشغولون دوماً بالتفرج على لعبة الكراسي إياها لم نتعلم ثقافة الإختلاف مع الآخر و لم نجد الوقت لنستوعب التفريق بين الوطن كأرض وانتماء و بين الحكومة كنظام يأتي و يذهب !!

إن الحلول الجذرية لأى مشكلة سياسية هى تلك التى تعكس حتمية الواقع في المقام الأول متماشيةً مع قسوته كيفما كانت لذا كانت القدرة على التصالح مع الأعراض الجانبية لتلك الحلول من أبجديات الوعى السياسي و من صميم الحس الوطني !!
أما التركيز على تزكية الأجواء التى تستمرئ اللطم و الرثاء و التبخيس ما أمكن عندما يكون الانجاز من صنع الآخر الذي نختلف معه و التهليل للإنجازات الصديقة و إن كانت مترعةً بالمثالب فهذا ما سيبقينا كما نحن نخرج من المآزق لنقع في الورطات !!
لكل قول صدى و لكل فعل عاقبة لأجل هذا يفكر المرء قليلاً قبل أن يقول و يتمهل كثيراً قبل أن يفعل لكن بعض الساسة و معظم المتسايسين عندنا إما أنهم قد أعفوا أنفسهم من عناء التفكير قبل القول و التمهل قبل الفعل أو أنهم بعد تفكير و حسابات خاطئة يخرجون بتصريحات و مواقف غير مسؤولة على الإطلاق تتعدى عواقبها الوخيمة الحكومة الى الوطن !!
وهذا يقودنا لسؤال .. إلى أى حد يمكن أن تصل حرية الإختلاف و عند أى حد يمكن أن تنتهي ؟! .. أم أنها حرية مطلقة و بامكان المخاصمة أن تصل حد التهور و الفجور ؟!
مسكين هذا البلد !!.. فبينما تحذر السلطات الصينية مواطنيها الذين يذهبون للسياحة في الخارج من (البصق) أثناء سيرهم في شوارع (الناس) و الذين يمتثلون بدورهم للتحذير من أجل تمثيل بلادهم بشكل لائق .. نتبارى نحن في (البصق) على المسلمات الوطنية و في تقديم الصور الأكثر سلبية و قتامة !!..
إنجازنا اليتيم في هذا الصدد هو نجاحنا في أن نقنن مفهوم الوطنية و نغدقه بسخاء على الفريق القومي لكرة القدم !!
حشر الأنوف الغريبة و المعقوفة ربما في شأن دارفور أمر غير قابل للهزل أو الإنتقام السياسي أو تصفية الحسابات هذا شأن وطني يعنينا نحن البسطاء و يؤثر فينا نحن العاديون أكثر من أى سياسي يطلق تصريحات لن تعود عواقبها عليه وحده ..
إن العشوائية في التعامل مع مسألة الولاء الوطني و الولاء السياسي هى آفة هذا البلد لذا أقترح أن يعكف خبراء مختصون من أبناء السودان البررة على وضع منهج في مادة التربية الوطنية يتميز بالدسامة و السلاسة في آن معاً لنخرج بأجيال قادمة تجيد التفريق بين مفهوم الدو لة و الوطن و لتكن المقررات من الدسامة بمكان بحيث يعشق أطفالنا السودان على طريقة (رانيا) صديقة طفولتي المصرية التى أعادتني الى البيت في آخر اليوم الدراسي باكية أنتحب من الغيظ و قلة الحيلة لأنها كانت تصر وباستماتة و بسالة – تحسد عليهما- على أن مصر هي أكبر الدول العربية مساحةً !!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سبتمبر - 2006 - صحيفة آخر لحظة

قصـــَّة موت معلـــن !

لأستاذنا الكبير أنيس منصور تعليق في منتهى الذكاء و الطرافة على ما ذكره الكاتب
الأمريكي لويس ممفورد في كتابه (نشأة المدينة الحديثة ) من أنه قد قرأ قصص ( الديكاميرون ) لبوكاتشيو و هي عبارة عن مائة قصة قصيرة ترويها سبع نساء و ثلاثة رجال في عشرة أيام أمضوها في ضواحي نابلي هرباً من الطاعون و قد كان ذلك في منتصف القرن الرابع عشر , و كل ما لاحظه ممفورد هو أن الناس في القرن الرابع عشر كانوا يهربون إلى الضواحي عندما يشعرون بالتعب !! .. و من هنا ظهرت ضرورة الضاحية بالنسبة لسكان المدن !! ..
يقول مُعلِّقــاً على ذلك .. أن هذا هو كل ما لفت نظره في المائة قصة التي تعتبر من أروع الأعمال الأدبية في العالم !! , و لعله أدرك أهمية هذا العمل الفني العظيم لكن انشغاله بالبحث عن نشأة الضواحي هو الذي جعله يرى فقط هذا الجانب , ( فكل إنسان له جانب خاص من العالم ينظر منه و ينظر إليه , و هو في نفس الوقت يجعلنا ننظر إليه من زاويته هو !! ) .. تذكرت تحليله الطريف و العميق هذا بعدما سمعت من زوجي قصة موت ذلك الشيخ البدوي العنيد (أبو سبيعان ) و التي أدهشتني كثيراً .. كان الرجل قد دخل عليه شاكياً من سعال شديد تبين أنه بسبب فشل في الجانب الأيسر من القلب , الأمر الذي استدعي تدخلاً جراحياً عاجلاً أجرى في أكبر مستشفيات الرياض بعد أن تم نقله إليها على وجه السرعة و عن طريق إخلاء جوى من إحدى مناطق الشمال النائية حيث كان يعيش متنقلاً بإبله و أغنامه !! , و ما أن تماثل للشفاء حتى عاد إليه شاكياً من كثرة الأدوية و ممتعضاً من كل هذا الإزعاج !! , و بعد أن عبر عن استياءه البالغ من الأطباء واصفاً إياهم فيما معناه بأنهم مجرد شرذمة بائسة تفتقر إلى المنطق , طلب منه بحزم أن يبارك عزمه و أن يعطيه ( خاطره ) في أن يذهب إلى معالج شعبي يدعى ( أبونايل ) ذائع الصيت في أوساط البدو لمهارته الفائقة في الكي و الحجامة !! ..
الأمر الباعث على الدهشة أن الرجل بعد أن استمع إلى شرح مفصل عن أهمية تلك الأدوية في المحافظة على نجاح الجراحة و خطورة التوقف عن تعاطيها على حياته قد ضرب بكل هذا عرض الحائط و قام بالتخلص منها في أقرب سلة مهملات في ذات المستشفى بعد أن فضَّل حجامة (أبو نايل ) على آراء كل أولئك الإختصاصيين المتحذلقين أصحاب البوردات و أعضاء الكليات الملكية !! .. فجاءت وفاته أمراً حتمياً و معلناً سلفاً من قبل أن يحين !!
أما لماذا تَذكَّرتُ تعليق أستاذنا أنيس منصور على موقف لويس ممفورد من قصص بوكاتشيو و حديثه عن أن لكل إنسان جانب خاص ينظر منه و ينظر إليه فلأنني قد قمت دونما وعي مني بإسقاط تحليله هذا على موقفينا أنا و زوجي من قصة الموت المعلن تلك.. فبينما كان أبناء الراحل و نساؤه و أحفاده يلقون باللائمة على غباء الأطباء كالمعتاد .. كنت أنا منهمكة في التفكير في طرافة المفارقة بين قصة الموت المعلن لبطل رائعة ( ما ركيز ) الذي قُتِلَ ظُلماً دونما جريرة و كانت جريمة مُجتمعِه هي الصمت و السلبيَّة و قصة موت الشيخ ( أبو سبيعان ) الذي ظَلَم نفسه و قَتَلَ نفسه على الرغم من استماتة مجتمعه و حكومته في تدليله !! .. أما زوجي فقد كان يقول مستخدماً كلتا يديه في عد الخسائر ..
إن هذا الرجل قد كلف الدولة مبالغ طائلة دون جدوى , إسعاف من المركز إلى المستشفى , و إقامة في العناية المركزة , و أدوية ثم إخلاء جوي إلى الرياض و جراحة عاجلة ثم أدوية مجانية تصرف له مدى الحياة و هو مجرد مواطن بسيط لا يملك أي تأمين صحي .. قال قولته هذه قبل أن يُردف مغتاظـــــاً ..
( و بعد ده كُلُّو يقول لي حجامة ) !!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قيـلولة - مجلة أوراق جديدة - 2006
من المفكرة - صحيفة الخرطوم - 2006


المــرأة التـي أمسـكت بتلابيــبي !

نشرت بعض الصحف مؤخراً نبأً طريفاً مفادُه أن السلطات الصينية قد حذَّرت مواطنيها الذين يذهبون للسياحة في الخارج من البَصْق أثناء سيرهم في الشوارع في محاولة صارمة لتحسين صورة المواطن الصيني في الخارج !!
و الحقيقة أنني قد - توقفت منذ عهد ليس بقريب - عن الشعور بالدهشة إزاء كل ما يقوله أو يفعله أي مواطن صيني إبتداءاً من .. ( هو جنتــاو ) .. مروراً بـ .. ( يونغ تشانغ ) التي ألهبت روحي روايتها الهائلة ( بجعات بريَّة ) بذات القدر الذي صفعت به رصانَتي فبتُّ أثرثر عنها لكل من حولي .. و انتهاءاً بالسائح الذي تتوعده الحكومة بالويل و الثبور إن هو عاد إلى اقتراف البَصْق في شوارع ( الناس ) مجدداً !! ..
ليس لأنهم قد فقدوا بريقهم و توهجهم في هذا الصدد - لا سمح الله - أعنى مقدرتهم الفذة على إدهاش الآخر المغاير أينما و كيفما كان - فهم لا يفقدونها أبداً تحت أي ظرف , إنما العيب في شهيتي و قابليتي للإندهاش التي أفقدتني إياها رواية (يونغ تشانغ ) التوثيقيّة الملحميّة الضخمة التي أمسكت بتلابيبي على نحو لافت فظللت أتأرجح في قراءتها بين الشراهة في التهام بعض فصولها على طريقة أفراس النهر حيناً , و بين تذوق البعض الآخر و مضغه بهدوء و تكلُّف كونتيسات القرن التاسع عشر ً أحياناً أخرى !!
أما بعد فراغي من التدرج في كيفيَّة التهامها - أي في مرحلة التلمظ تحديداً - فقد داهمتني دفقة العذاب الشهيرة إياها التي تعقب قراءة النصوص الفذَّة .. عُشـَّاق القراءة يعرفونها جيداً !!
و لمن لم يصل إليها بعد , هي ذلك المزيج المتناغم بين الخدر اللذيذ و التحديق ببلاهة في الفراغ أمامك لفترة قد تطول أو تقصر , الأمر مرهون بتفاعلاتك الداخلية !!
دفقة العذاب الشهيرة تلك يتلاشى تأجُّجهَا تدريجيا و يَخفُتْ يوما بعد يوم إلى أن تُصبح مجرد ( قطعة مطرزة ) صغيرة و جميلة في قماش الذاكرة الناعم , نعود إلي استنهاضها كلما سنحت لذلك سانحة .. كسانحة السُيَّاح الآنفة الذكر !!
المرحلة التالية هي مرحلة الإلتفات أو (التَلفُّتْ ) على طريقة ( الشريف الرضي ) , حيث يتلفَّت قلبك صوب الكتاب بعد أن يأخذ مكانه بين الكتب الأخرى في مكتبتك كلما مررت من عنده (مُتلَكِّكَاً ) على طريقة مرور ( الشريف الرضي ) ذاتها , و قد تفعل ما فعلت أنا مع بجعات يونغ تشانغ بأن تدعو الله متظارفاً أن يمنحنك ذاكرة أخرى أو أن يُقرِضَك أحدُهم ذاكرته لا لشئ إلا لتعاود الإلتهام و .. التذوق و .. التلمظ و .. الإندهاش و من ثم الوصول إلى دفقة العذاب التى أسهبنا في وصف روعتها !!
أما لماذا أفقدتني تلك الرواية دهشتي إزاء كل فعل أو قول صيني فلأن يونغ تشانغ تلك الصينية ( الجريشية ) اللون – كما يحلو لي أن أتظارف بتلقيبها – و ( الجريش ) لمن لا يعرفه عصيدة سعودية لذيذة تصنع من حب القمح المجروش و الحليب أو اللبن , أستطيع أن أزعم أنه لا يوجد وصف يحاكي لون بشرة الصينين أكثر توفيقا من الجريش ( أنا في كل مرة أحاول و أعود للجريش ) !! - إن تلك الصينية الباسلة قد أبدعت في توثيق دراما واقعية لحياة نساء ثلاث - هُنَّ جدّتها و أمُّها و هيَ نفسُها - منذ عصر أسياد الحرب مروراً بعصر الإحتلالين الياباني و الروسي إلى حين إندلاع الحرب الأهلية بين الكومنتانغ و الشيوعيين و مجئ الثورة الثقافية و الحكم الشيوعي في ظل عهد ( ماو تسي ) بتمرحله و انعطافاته السياسية النَّزقة التي كان من أبرزها إدارة ظهره للروس و مولد الشيوعية الصفراء و من ثم انتهاءاً بموته !!
يونغ تشانغ - التي تعرض أبواها للقهر و النفي إلى معسكرات العمل البعيدة فجنَّ والدها و انطفأ تدريجيا إلى أن مات , أما هي و لما تبلغ العشرين فنفيت إلى أطراف جبال الهملايا - سطرت هذه الملحمة و نشرتها بعد خروجها من الصين في عام 1978م في كتاب ملئ بالغرائب و العجائب و الفظائع التي أرهقتني محاولات ابتلاعها .. كيف يمكن للمآسي الإنسانية أن تمتد عبر جيلين فأكثر في عائلة واحدة بكل هذا الزخم المؤثر ؟! و كيف يمكن لشعب واحد بل لجيل واحد أن يحتمل كل هذه التقلبات العنيفة والهزات الساحقة دون أن يفقد جلده ؟! .. و كيف يمكن لشعب أن يكون بهذه القوة و أن يملك تلك الإرادة الفولاذية التي جعلته يصهر الفولاذ نفسه يدوياً و بطريقة بدائية و مميتة ليصنع دولة قوية ؟! .. الشعب الذي يستطيع أن يحتمل كل هذه المآسي و الفظائع يستطيع ببساطة - و بكل سرور - أن يكف عن البَصْق في شوارع الآخرين من أجل تمثيل بلاده بشكل لائق !! .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قيــلولة - أوراق جديدة _ 2006

في الخلق و الإبداع !



مناخ الكتابة و الإبداع في السودان يشبه إلى حد كبير مناخ الإبداع في البلدان اللاتينية أو الكاريبيّة على وجه الخصوص , لكن مسألة الإنتشار هي نغمة الإختلاف في معزوفة التشابه تلك , على الرغم من كون هذا مجرد رأى شخصي إلا أنني - و لأسباب معقولة - أجد فيه قدرا لا بأس به من الموضوعية !
عندما نتأمل في روائع روائيين أفذاذ كـــــ ( ماركيز ) و ( جورج أمادو ) و ( إيزابيل الليندى) نجد أن مذاق و نكهة هذا النوع من الإبداع تعود لذات المناخ الإنساني المشابه و إن اختلفت الأمور ظاهريا , فالاختلاط العرقي المميز جداً لدى تلك الشعوب قد ترك بصمة واضحة في شخصياتهم و أنماط حياتهم و ثقافاتهم , بعض الكسل و حدة المزاج و الشعور العميق تجاه الأشياء الذي يصل لحد الإخلاص الأعمى لقيم الحب و الجمال , الطيبة الساطعة و التطرف في ردود الأفعال , كل هذا ربما منحهم إبداعاً مغايراً لا يشبه من حولهم , و بالتالي إذا أعدنا التأمل في المناخ الإجتماعي في السودان نجد أن الإختلاط العرقي بين العرب و الأفارقة قد أوجد مناخاً ثقافيا ً و إبداعياً له هويته و تميزه الخاص , هذه الخصوصية في جغرافية السودان الثقافية و العرقية قد أدت بدورها إلى خلق تلك الفجوة أو ذلك الجدار الذي يفصل بين المبدع السوداني و المتلقي العربي و الأفريقي !الوضع هنا شبيه بأغنية سودانية لا يطرب العرب كثيرا للحنها لأنها تنتمي إلى سلم موسيقى آخر غير الذي تعودوا عليه بينما لا يستطيع الأفارقة ترديدها لأن كلماتها باللغة العربية !
(خواكين مورييتا ) أشهر شخصيات ( إيزابيل الليندى ) و أحد أبطال رائعتها ( إبنة الحظ ) تلك الشخصية التي خصص لها ( بابلو نيرودا ) مسرحيته الشعرية الوحيدة ( تألق خواكين مورييتا و مصرعه ) هذا الـ .. (خواكين)
تحديداً سيكون مثالاً طريفاً لتعزيز وجهة نظري , ففي كل تفاصيله المفعمة و جموحه الصاخب ما هو إلا نسخة مقننة للشاب السوداني الثائر المثقف في عهد ليس ببعيد !
و نتيجة لإختلاف الثقافة السودانية ( العربــ أفريقية ) عن الثقافة في معظم البلدان العربية و الأفريقية فقد ظل المبدع السودانى محروماً من نعمة الإنتشار عربيا و أفريقيا و ظل بعض من لا تنطبق عليهم هذه القاعدة مجرد إستثناء آخر يؤكدها , و لعل الطيب صالح من أشهر تلك الاستثناءات باعتباره الروائي السودانى الوحيد الذي وصل إلى العالمية , غير أن الأمر الباعث على الإستياء هو أن تمجيد معظم العرب لأعماله هو في أغلب الأحوال إنعكاس لانتشار ها عالميا و احتفاء الآخر المغاير بها الأمر الذي يفسر كونه الروائي السوداني الوحيد تقريبا الذي يعرفه العرب جيداً ؟!
إبتداءاً بـ (بت المجذوب ) عجوز الطيب صالح الشهيرة مروراً بــ ( الزين ) و ( مريود ) وانتهاءاً بــ ( المنسي ) , كل هذه الشخصيات على الرغم من غرابة بعضها إلا أنها تمثل جزءا من واقع صورَّه الطيب صالح بعبقرية ليست محل جدال و نحن نفخر به كثيراً , لكن ... هذا البلد فيه مبدعون آخرون يتمنون أن يقولوا للعالم شيئا و يمكن أن يشكل إنتشارهم إضافة نوعية لأدب الرواية في العالم العربي و غيره ربما , لكنهم قابعون في غياهب التجاهل هؤلاء لم يحالفهم الحظ لتترجم أعمالهم إلى اللغة الإنجليزية !و الحقيقة أن القارئ العربى نفسه لا يعرفهم وليس لديه استعدادٌ كافٍ لذلك ,
لأجل هذا قد يكون كل ذلك التمجيد و الإحتفاء نعمة و نقمة في آن معاً في تقدير المبدع السودانى الذي يتمنى أن يقول للعالم شيئاً لكنه مكبل باحتكار الطيب صالح لفكرة الإبداع الروائي السودانى في ذهن القارئ العربي ! .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قيـــلولة - أوراق جديدة - 2006

صُنَّــاع الأمطــار !


(أوستن) الفقيه القانونى له نظرية قانونية شهيرة تسمى باسمه
Austen theory , تتضمن تعريفاً للقانون تقادم عليه الزمن لكنه لا يزال منطقياً و معاصراً , يقول أوستن ..
(law is a command which obliges a person or persons to
a course of conduct)
و على الرغم من أن الإلتزام الذي قصده أوستن هو إلتزام فردى أو جمعى تجاه أمر ملزم يتمثل في مجموعة القوانين التى تنظم سلوكياتنا العامة و معاملاتنا الرسمية , إلا أنه يبدو أن هنالك نظرية أخرى غير مكتوبة أو معرفة رسميا يجرى العمل بها , تلك النظرية مفادها أنه على القانونى أن يقوم بتطبيق نظرية أوستن في حياته الخاصة و معاملاته الشخصية !!
الراسخون في المهنة يعرفون أن صانع الأمطار هو لقب يطلق على محامى قضايا التعويض في أمريكا , لأنه يجني مبالغ طائلة لموكليه , أما غير الراسخين فيعرفون ذلك من رائعة الروائي جون جريشام الشهيرة (صانع الأمطار ) ! , و لأن التعويض في القانون الأمريكي كالبقدونس في المطاعم اللبنانية تجده في كل شئ , و عن كل شئ و خلف كل باب , و تحت كل حجر , فالمحامى هو صانع الأمطار - القوم مسرفون في ذلك تشجعهم قوانينهم التى تشوبها بعض الطرافة أحياناً ! - , فلا تندهش إذا قرأت في شريط الأخبار على قناة الـ ( CNN) أن نملة أمريكية عجوز قد قامت برفع دعوى قضائية في مواجهة مالك المنزل القديم الذي تقيم بين شقوق جدرانه التى تنضح بالرطوبة, مستندةً في دعواها على تقارير طبية تثبت إصابتها بداء المفاصل ! , و الكسب مضمون بفضل صانع الأمطار الذي لا يقهر ! , هؤلاء القوم أشقياء فعلاً , يشقون من حولهم و يشقون بهم !!
لكن ماذا تحت المظهر الخارجى لصنَّاع الأمطار ؟ ! ماذا عن الدواخل المفعمة ؟! , دراسة القانون تضع بصماتها على شخصيتك وتصرفاتك وطريقة تفكيرك ماحييت وهذا شئ لا تملك تغييره وإن حاولت , هذه البصمات قد تجعل منك في كثير من الأحيان شخصية مثيرة لاستياء من حولك .فصانع الأمطار شخص يجيد الإستماع لكنه نادرا ما يتدفق في الحديث عن نفسه , عملى جداً يوفر على نفسة مرارة الصفقات الخاسرة فلا ينظر إلى الخلف إلا بمقابل يشعره بالربح , عادةً لا يفهمه من حوله كثيراً , و حياته الخاصة في الغالب لا توازي في نجاحها حياته المهنية !لكنه مظلوم لأن شخصيته الحقيقية تذوب في الكاريزما المهنية لذلك تسمع دوماً من يردد أن كل المحامين هكذا , كلهم يقولون كذا , أو يفعلون كذا ,
أما أنا فأعتقد بأنهم كلهم يبدو عليهم أنهم هكذا !! فإن كنت من صناع الأمطار و حاول شريك حياتك استجوابك بطريقة غير مباشرة عن أمر ما , قد تدفعه إجاباتك الحذرة والمقتضبة إلى الشك في براءتك , فقط لأنك تجيب بحذر واقتضاب وهذا أمر لا تملك تغييره , فعقلك الباطن يتخذ دون أن تشعر موقفاً دفاعيا من كل شئ حتى أبسط الأشياء ! , فعلى سبيل المثال - كمواطن عادى - عندما تذهب لتناول وجبة في أحد المطاعم ستطلب قائمة الطعام و تقرأ الأصناف المكتوبة ثم تقرر ما تريد , لكنك لا تفكر أبداً بقراءة شئ آخر غير لائحة الطعام , هنالك جمل صغيرة تكون مكتوبة عن نسبة الضرائب أو مسئولية المطعم في حالة فقدان الزبائن لمعاطفهم التى يعلقونها في المشاجب المخصصة قبل جلوسهم لتناول الطعام ! ..... إلخ هل تشغل بالك ؟ , هل فكرت يوماً بتفحص وتقليب عقود الإذعان الجاهزة ؟ كفواتير الهاتف والكهرباء و قسائم الشراء مثلاً ؟ لا أعتقد أنك تفعل شيئاً سوى قراءة المبالغ المستحق دفعها و الأشياء المماثلة لكن المحامى غالباً ما يفعل ! , ماذا عن تلك اللافتات التى تكون معلقة في جدران غرف الفنادق؟ تجدها دوماً مكتوبة بخط دقيق داخل إطار أنيق؟ , أنت قد لا تلتفت إليها أما هو فقد يقف أمامها و لربما تأملها طويلا !
و هكذا يمضى صانع الأمطار في تضخيم انتصاراته المهنية بينما يظل يسوس شقاءه و أوجاعه بعيداً عن أقرب الآخرين , أولئك الآخرين الذين يطلقون النكات الطريفة عن جشعه و ماديته طوال الوقت و على ذكر النكات ,
هنالك نكته طريفة تقول إذا سألت شخصاً بسيطاً عن حاصل جمع 2+2 سيجيبك ببراءة أن الإجابة هى (4) , و إذا سألت اقتصاديا محنكا سيجيبك بأن الأمر يتوقف أو يعتمد على معطيات كثيرة ينبغى تحديدها أولا , أما لو وجهت السؤال الى أحد المحامين فستكون الإجابة ..كم تريدها أن تكون يا سيدى ! .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قيــلولة - أوراق جديدة - 2006

شيطان الشعر شخصية ديدنها النزاهة

الشعراء أشخاص إستثنائيون جداً , نزقون رُبَّما , ردودُ أفعالهم ذاتَ زوايا حادَّة رُبَّما
لكن هؤلاء القوم شاهقون بلا مراءْ , و هم أكثر المبدعين ثقةً بأنفسهم وتقديراً لحجم إبداعهم , متَّكئين في ذلك على عقود الإحتكار الأبديَّة التى وقَّعوها مع شيطان الشعر ! , فليس أيا كان مقدرٌ له أن يصبح شاعراً , الشعر كالغفران , شئٌ يُمنح لكنه لا يُشترى , يُوهب ولا يكفى أن يُطلب ! .. بَيْدَ أن الشاعر هو أول من يدفع ثمن تلك المَلَكَة الباهظة , و آخر من يجنى رَيْعها ! , لذا فقد درج الناس منذ الأزل على أن يقايضوا صبرهم على نَزَقْ الشعراء بتلك المتعة العظيمة , و ذاك الإنبهار اللَّطيف الذى يجدونه في تذوقهم للتراكيب والصور العميقة التي تشرح جراحهم و تُفنِّدُ دواخلهم المفعمة بالإنابة عنهم ! , إنها هيبة الشعر و عظمة الشاعر ! ,..
لكن المتشاعرين كُثُرْ , و قد كنت منهم على نحو ما قبل أن أكتشف أن عالم السرد
الجميل هو قدرى و ملاذي و هلاكى أيضاً إن أنا فرَّطت
في طفولتى كبعض الصغار المتحذلقين كنت أتَشاعَر بقصائد قصيرة جداً و ساذجة جداً تتحدث عن الأم التى تتفانى في إعداد الطعام , والأخ الذي لا يصغى إلى النصح , و الأشجار و الطيور و الألعاب التى تتكلم و تضحك و تتألم , و أذكر أننى كنت مفتونةً بكلمة (القوت) التى كنت أجدها بليغة جداً ! , فخصَّصت قصيدة كاملة تتحدث عن الأب و لقمة العيش التى يوفرها بعرقه لأطفاله الجياع في انتظار عودته من أجل تلك الكلمة البراقة ! .... إلى آخر تلك السذاجات الطفولية البريئة والجميلة ! .
ولا زلت أذكر قصيدتى عن أطفال الحجارة التى ألقيتها في فناء المدرسة بصوت مرتجف من هول الموقف المهيب , كانت تلك أول مرة أتحدث فيها أمام حشد من الناس و كدت أموت فَرَقاً و خجلاً , و لم أكن أعرف يومها أن مخاطبة الحشود بصوت واثق في قاعات المحاكم سيكون دأبى و مهتنى التى سأختارها بملء إرادتى لآكل منها عيشي !
قصيدتى تلك عن أطفال الحجارة عندما قرأها خالى رحمه الله و الذي كان يعمل وقتها في إحدى الصحف إقترح محاولة نشرها تشجيعاً لى , الأمر الذي أفرحنى كثيراً , لكنه بدَّد فرحتى بمهاتفتى بعدها ليسألنى بتشكُّك إن كنت أنا من كتبها فعلا , لا زلت أذكر الآن كيف آلمنى ذلك و كم شعرت بالمهانة فأجبته بحزم طفولىّ بأن ينسى أمرها إن كان لا يصدقنى !!
أما على أعتاب الأنوثة فقد اقترفت آخر محاولة فاشلة لكتابة قصيدة أذكر أن مطلعها كان ..
ليت انتظار الفجر
يسفر عن جديد
الفجر ليس القطر و الأنسام
والضوء الوليد
الفجر ليس نعاس أطفال المدارس
حين يتلون النشيد !!
إلى أن قلت ..
الفجر أن نصحو معاً
والليل أن نغفو معاً
نرسم للفجر الجديد!!
بعد كتابتها بدقائق فقط كنت أنا أول الساخرين من هذا الكلام و أول المستخفين به , أما الأسباب فقد كانت موضوعية جداً , و من
ضمنها على ما أذكر , أن أطفال المدارس لا يتلون النشيد المزعوم فى الفجر , وإنما يفعلون ذلك فى الصباح بعد شروق الشمس لأنهم مجرد أطفال وليسوا مجندين فى الجيش النازي ! , و حتى لو قمنا بتغييرها إلى الصبح ِعوَضاً عن الفجر بمعنى أن نقول ..( ليت انتظار الصبح يسفر عن جديد ) !ستواجهنا مشكلة أكثر فداحةً و هى أن الصبح لا يكون الضوء فيه وليداً , بل تكون الشمس فيه ساطعةً كحقيقة إسرائيل ! , وسطوعها بطبيعة الحال سيؤدى إلى تبخر القطر المزعوم , فلا يمكن أن نقول ..
( الصبح ليس القطر و الأنسام و الضوء الوليد ) ! ثم أنَّ النهاية سخيفة ومبتذلة .. يعنى .. قافية و السلام !!
وقتها كنت قد ودَّعتُ طفولتى كما ودَّعتُ التشاعر الى الأبد !!
فالمسألة في منتهى الصعوبة , وشيطان الشعر شخصية غاية في الحزم و النزاهة , و الأدهى و الأمَرّ أنه لا يعترف بالواسطة !
ثم أنه ليس أسوأ من التَّشاعر و الشعر الرَدئ , و عليه فإن الإقتصار على التّذوق هو الخيار الأذكى الأفضل !!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قيــــلولة - أوراق جديدة - 2006
صحيفة الخرطوم - 2006